فخر الدين الرازي

164

تفسير الرازي

لم يلتفت إليه ولم يؤمن به فصار فعل الله تعالى كالهدر الضائع ، وصار الكافر والشيطان كالغالب الدافع ، وإذا كان كذلك كان ذكر النون المشعر بالعظمة والجلالة في قوله : * ( نسلكه ) * غير لائق بهذا المقام ، فثبت بهذا التأويل الذي ذكروه فاسد . والوجه الثاني : أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال : * ( كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ) * ولا يؤمنون به ، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون أما ما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله : * ( لا يؤمنون به ) * كالتفسير ، والبيان لقوله : * ( نسلكه في قلوب المجرمين ) * وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم . والوجه الثالث : أن قوله : * ( إنا نحن نزلنا الذكر ) * ( الحجر : 9 ) بعيد ، وقوله : * ( يستهزئون ) * قريب ، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب . أما قوله : لو كان الضمير في قوله : * ( نسلكه ) * عائداً إلى الاستهزاء لكان في قوله ؛ * ( لا يؤمنون به ) * عائداً إليه ، وحينئذ يلزم التناقض . قلنا : الجواب عنه من وجوه : الوجه الأول : أن مقتضى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات ، ولا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا : الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء ، والضمير الثاني عائد إلى الذكر ، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن ، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى : * ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين * فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ) * ( الأعراف : 189 ، 190 ) فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله : * ( جعلا له شركاء ) * عائدة إلى آدم وحواء ، وأما في قوله : * ( جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ) * عائدة إلى غيرهما ، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم ، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا ههنا والله أعلم . والوجه الثاني : في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله : * ( لا يؤمنون به ) * تفسير للكناية في قوله : * ( نسلكه ) * والتقدير : كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به . والوجه الثالث : وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان والكفر يمتنع أن يكون بالعبد ، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق ، والعلم والحق ، وأن أحداً